السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

267

مفاتيح الأصول

الأول سلمنا لكن لا نسلم انحصار السنة في البيان فجاز كون بعضها مبنيا لبعض القرآن وبعضها ناسخا لبعض آخر منه انتهى وفي النهاية والتحقيق أن يقال النسخ إما أن يكون بيانا أو لا فإن كان الأول اندرج تحت العموم وإلا جاز صدوره عنه عليه السلام لأن الآية مختصّة بما يحتاج إلى البيان وأمّا ثالثا فلما ذكره في الذريعة والنهاية والمنية من أن المراد من التبين التبليغ إذ لو أريد منه المعنى المتبادر منه لاختص ببعض القرآن وهو الذي يحتاج إلى البيان كالمجمل والذي يراد منه خلاف ظاهره ولا كذلك التبليغ فإنه يعمّ جميع القرآن ومن الظاهر أن الحمل على هذا أولى مراعاة لعموم قوله تعالى ما نزل إليهم وعلى هذا يسقط التمسّك بالحجّة المذكورة على المدعى كما لا يخفى ومنها ما ذكره في النهاية فقال احتج الشافعي بقوله تعالى نقلا عن المشركين أنهم قالوا عند تبديل الآية بالآية إنما أنت مفتر ثم إنه تعالى أزال هذا الاتهام بقوله تعالى قد أنزله روح القدس من ربّك وهو يدلّ على أن ما لم ينزله روح القدس من ربّك لا يكون مزيل الاتهام ثم أجاب عن هذا الوجه فقال الجواب عنه أنها لا يدل على امتناع نسخ القرآن بالسّنة إلا أن يكون السّنة لم ينزل بها روح القدس وهو ممنوع لأنها من الوحي وإن كانت لا يتلى ولأن من يتهم الرّسول يشك في نبوّته ومن يكون هذا حاله فالنّبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم مفتر عنده سواء نسخ الكتاب بمثله أو بالسّنة المتواترة والمزيل لهذه التّهمة هو التمسك بمعجزاته صلى الله عليه وآله ومنها ما حكاه في الذريعة والعدة والغنية والمعارج والنهاية والتهذيب والمنية وشرح المبادي وغاية المأمول والإحكام والمختصر وشرحه والمعراج عن الشافعي وغيره ممن وافقه من قوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن اللَّه على كلّ شيء قدير فإنه يدل على أنّ الآية لا تنسخ إلا بالآية وبيانه من وجوه الأول أنه لما قال نأت بخير منها أو مثلها كان الكلام محتملا للكتاب وغيره فلما قال بعد ذلك ألم تعلم الآية علم أنه تعالى أراد ما يختص هو تعالى بالقدرة عليه من القرآن المعجز الثاني أنه تعالى أضاف الإتيان بالخير إلى نفسه لأن الضمير في قوله تعالى إلى نفسه لأن الضمير في قوله تعالى نأت الآية راجع إليه تعالى بلا شبهة ومن الظاهر أن السنة لا يضاف إليه حقيقة ولا يصدق عليها أنها مما أتى به اللَّه تعالى الثالث أنه دلّ على أن ما يأتي به لا يكون إلا مثلا أو خيرا ولا يتحقق الأمران إلا بالقرآن إذ السنة لا يمكن أن يكون خيرا أو مثلا لأن القرآن أكثر نفعا من السّنة لاشتراكهما في لزوم امتثال حكمهما واختصاص القرآن بترتب الثواب على تلاوته وإثبات النبوة به وما هو أكثر نفعا يكون هو الخير لا غير الرّابع أنه تعالى وصف البدل بأنه خير أو مثل وكل واحد من الوصفين يدل على أن البدل من جنس المبدل أما المثل فهو ظاهر وأما ما هو خير فلأنه لو قال القائل لغيره ما آخذ منك درهم إلا أتيتك بخير منه فإنه يفيد أنه يأتيه بدرهم خير من الأول وفيه نظر أما أوّلا فللمنع من دلالة الآية الشريفة على أن المأتي به من المثل أو الخير يكون قرآنا فيمكن أن يكون غيره كالسّنة فلا تنهض الحجة المذكورة بإثبات المدعى وأما الوجوه المذكورة فلا تنهض لإثبات كون المأتي به قرآنا أما الأول فلما حكاه في العدة عن طائفة من أنّهم قالوا في مقام الجواب عنه إنما يريد الآية قادر على أن ينسخ الآية بما يعلم أنه أصلح للعباد من المنسوخ والذي يختص بذلك هو اللَّه تعالى انتهى وقد أشار إلى ما ذكر في النهاية والذريعة والغنية والإحكام أيضا وأما الثاني فلما صرّح به في الذريعة والغنية والنهاية والمنية وغاية المأمول وشرح المختصر والإحكام والمحكي في العدة عن جماعة من أن إسناد الإتيان إلى اللَّه لا يدل على كونه ليس من السنة لأنها منه تعالى لقوله تعالى وما ينطق عن الهوى إلى آخره ولكن في المعراج بعد الإشارة إليه وفيه نظر وأما الثالث فلما ذكره في النهاية فقال في مقام الجواب عنه ليس المراد من نسخ الآية نسخ رسمها لعدم التفاضل بين الآيات في الخيريّة لتساويها كلها في كونها خيرا بل نسخ حكمها وجاز أن يكون حكم السنة خيرا من حكم القرآن ويكون أصلح في التكليف وأنفع للمكلَّف انتهى وقد صرّح بما ذكره في الذريعة والغنية والمنية وغاية المأمول والإحكام وشرح المختصر أيضا وفي الأولين والانتفاء بالآية وإن كان من الوجهين الَّذين ذكروهما فغير ممتنع أن يكون السنة وإن انتفع بها من وجه واحد أصلح لنا من الآية من الوجه الذي بيّناه في معنى خير منها لأن الثواب قد يتضاعف والوجه واحد على الوجهين على أن في درس السنة أيضا ثوابا وعبادة انتهى وأورد في العدة عن بعض إيراد على ما ذكر فقال بعد الإشارة إليه وأجاب من المذهب الأول عن ذلك بأن قال وكان يجب على هذا التقدير أن يقال بالإطلاق أن السنة خير من الآية ويراد بذلك أنه أكثر ثوابا وإطلاقه ذلك خروج من الإجماع انتهى وفيه نظر وأما الرابع فللمنع منه كما صرّح به في الذريعة والغنية والنهاية والمنية والإحكام وزاد في الأولين فقالا بل لو صرّح بخلاف ذلك لحسن لأنه لو قال لا آخذ منك ثوبا إلا وأعطيتك فرسا خيرا منه لما كان قبيحا وفي النهاية والمنية مع أنه معارض بقول الملك لرعية من يلقى منكم بحمد وثناء أثنيته بخير منه فإنه لا يفهم منه كون الجزاء من الشكر والثناء بل من العطاء والإنعام والوفد والإكرام وفي الإحكام لا دلالة على لزوم المجانسة بين الآية المنسوخ حكمها وبين ناسخه لأنه وصفه بكونه خيرا والقرآن لا تفاوت فيه والمذكور أولا وإن كان هو الآية والضمير في قوله تعالى خير منها وإن كان عائدا إليها فلا يلزم منه المجانسة بين المضمر وأما ثانيا فلأنه لو سلمنا دلالة الآية الشّريفة على أن المأتي به يكون قرآنا فلا نسلم دلالتها على كونه هو الناسخ فيمكن أن يكون النّاسخ غير القرآن كالسنة ويكون المأتي به قرآنا فلا تنهض الحجة المذكورة